النويري

230

نهاية الأرب في فنون الأدب

ومن كلام عائشة أمّ المؤمنين بنت أبي بكر الصّدّيق رضى اللَّه عنهما ، وهو مما اتصل إلينا بالرواية الصحيحة ، والأسانيد الصريحة ، عن محمد بن أحمد ابن [ أبى « 1 » ] المثنّى ، عن جعفر بن عون ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضى اللَّه عنها : أنه بلغها أنّ أقواما يتناولون أبا بكر رضى اللَّه عنه ، فأرسلت إلى أزفلة من الناس ، فلمّا حضروا أسدلت أستارها ، وعلت وسادها ، ثم قالت : أبى وما أبيه ! أبى واللَّه لا تعطوه الأيدي ، ذاك طود منيف ، وظلّ مديد ؛ هيهات ، كذبت الظَّنون ، أنجح « 2 » إذ أكديتم ، وسبق إذ ونيتم « سبق الجواد إذا استولى على الأمد » فتى قريش ناشئا ، وكهفها كهلا ، يفكّ عانيها ، ويريش مملقها ، ويرأب شعبها ، ويلمّ شعثها ، حتى حليته « 3 » قلوبها ، ثم استشرى في دين اللَّه ، فما برحت شكيمته في ذات اللَّه عزّ وجلّ حتى اتّخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ما أمات المبطلون ، وكان رحمه اللَّه غزير الدّمعة ، وقيد الجوانح ، شجىّ النّشيج ، فانعطفت اليه نسوان مكَّة وولدانها يسخرون منه ، ويستهزئون به ، * ( الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) * فأكبرت ذلك رجالات قريش ، فحنت قسيّها ، وفوّقت سهامها ، وامتثلوه « 4 » غرضا فما فلَّوا له صفاة ، ولا قصفوا له قناة ، ومرّ على سيسائه ، حتى إذا ضرب الدّين بجرانه ، وألقى بركه ، ورست أوتاده ، ودخل الناس فيه أفواجا ، ومن كلّ فرقة أرسالا

--> « 1 » كذا ورد هذا الاسم في تهذيب التهذيب لابن حجر أثناء الكلام على جعفر بن عون ، والذي في الأصل : « ابن المثنى » ، ولم نقف عليه فيما لدينا من الكتب المدوّنة في أسماء الرواة . « 2 » في اللسان مادة « كدا » « ونجح » بدون همز . « 3 » حليته : استحلته . « 4 » في الأصل وصبح الأعشى : « وانتثلوه » بالنون ؛ وهو تحريف صوابه ما أثبتنا انظر اللسان مادة « مثل » .